لما تواجهنا وأصبح كل واحد منا على مرمى خطوة من الأخر، وقفت. ووقفت. فتحت عينيها تنظر إلي كالمصعوقة، حاولت أن أبتسم، فجمعت شتات عقلي وقلت في دفعة واحدة بصوت خرج مبحوحاً من شدة الاختناق:
-حبيبتي أمي، كيف أنت؟
صرخت المسكينة صرخة واحدة جرحت من شدة حدتها أذن الفجر المتنفس، وهتفت وهي تشهق في بكاء مثير ملتاع:
- ولدي ... ولدي .. أحمد...
اتمت في أحضاني وعانقني بكل ما أوتيت من قوة وهي تنوح وتئن وتتوجع غير عابئة بتوسلات إخواني وهم ينشدونها باكين أن تثوب إلى رشدها كي لا تزيد في محنة قلبها.
مضى ما يقرب عن عقدين من الزمن والسلطات المغربية تنكر بشدة وجود معتقل للموب البطئ على أرضها في تخوم الصحراء يسمى تزممارت. في دياجير تلك الربوعالظلامية الرهيبة، دفن أحياء ثمانية وخمسون ضابطا وضابط صف لضلوعهم عن غير قصد في محاولتين انقلابيتين فاشلتين (أحداث الصخيرات يوم ١٠ تموز/يوليو ١٩٧١، وأحداث طائرة البوينغ الملكية يوم ١٦ آب/غشت ١٩٧٢) .
بعد اعتقال مرير في ظروف مروعة جهنمية دامت ما يفوق عن ثمانية وعشرين سنة، ألقت تزممارت أخيرا ما بجوفها ، فقذفت بثمانية وعشرين إلى الخارج وهم نصف أحياء، واحتفظت في أحشاء رمالها باثنين وثلاثين ضحية.
الملازم أحمد المرزوقي، ساكن الزنزانة رقم ١٠ يشهد باسم أصدقائه الناجين والراحلين.

تزممارت: الزنزانة رقم 10

C$31.99Price
  • أحمد المرزوقي

  • المركز الثقافي العربي